القرطبي
206
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ( 134 ) فيه أربع مسائل : الأولى - قوله تعالى : ( الذين ينفقون ) هذا من صفة المتقين الذين أعدت لهم الجنة ، وظاهر الآية أنها مدح بفعل المندوب إليه . و ( السراء ) اليسر ( والضراء ) العسر ، قاله ابن عباس والكلبي ومقاتل . وقال عبيد بن عمير والضحاك : السراء والضراء الرخاء والشدة . ويقال في حال الصحة والمرض . وقيل : في السراء في الحياة ، وفي الضراء يعني يوصي بعد الموت . وقيل : في السراء في العرس والولائم ، وفي الضراء في النوائب والمآتم . وقيل : في السراء النفقة التي تسركم ، مثل النفقة على الأولاد والقرابات ، والضراء على الأعداء . ويقال : في السراء ما يضيف به الفتى ( 1 ) ويهدي إليه . والضراء ما ينفقه على أهل الضر ويتصدق به عليهم . قلت : - والآية تعم . ثم قال تعالى : ( والكاظمين الغيظ ) وهي المسألة : الثانية - وكظم الغيظ رده في الجوف ، يقال : كظم غيظه أي سكت عليه ولم يظهره مع قدرته على إيقاعه بعدوه ، وكظمت السقاء أي ملائه وسددت عليه ، والكظامة ما يسد به مجرى الماء ، ومنه الكظام للسير الذي يسد به فم الزق والقربة . وكظم البعير جرته ( 2 ) إذا ردها في جوفه ، وقد يقال لحبسه الجرة قبل أن يرسلها إلى فيه : كظم ، حكاه الزجاج . يقال : كظم البعير والناقة إذا لم يجترا ، ومنه قول الراعي : فأفضن بعد كظومهن بجرة * من ذي الأبارق ( 3 ) إذ رعين حقيلا الحقيل : موضع . والحقيل : نبت . وقد قيل : إنها تفعل ذلك عند الفزع والجهد فلا تجتر ، قال أعشى باهلة يصف رجلا نحارا للإبل فهي تفزع منه : قد تكظم البزل ( 4 ) منه حين تبصره * حتى تقطع في أجوافها الجرر
--> ( 1 ) في د ، وز : الغنى . ( 2 ) الجرة ( بالكسر ) : ما يخرجه البعير من بطنه ليمضغه ثم يبلعه . ( 3 ) في ب وه ود : ذي الأباطح . ( 4 ) ليزل ( بضم فسكون ) : جمع بازل ، وهي البعير الذي كملت قوته ودخل في التاسعة وفطر نابه .